محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
327
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
التراب ، فقلت : مجهود أو مجنون ؟ ! ثم قلت له : يا هذا ، أتسفّ التراب ؟ ! قال : فقال لي : أو تراب هو ، ثم ناولني . قال : فما شككت أنه سويق أو قند « 1 » أنا أشكّ أيّهما . قال : فقلت : وليّ للّه ، وجثوت « 2 » على ركبتي وقلت : ادع اللّه لي . فقال لي : عرّفك اللّه قدر ما تطلب حتى يهون عليك ما تترك » . وإن من أيقن أن اللّه يطلبه صدق الطلب إليه ، ومن علم أن الأمور بيد اللّه انجمع بالتوكل عليه . العبد مطلوب لربّه ، عزّ وجلّ ، بإقامة وظائف العبودية له ، وذلك بما اختصه به ، عزّ وجلّ ، من العقل والفهم ، وما رزقه من المعرفة والعلم . وثمرة ذلك الطلب عائدة إلى العبد ، فلم لا يصدق العبد في طلبه واجتهاده إذا أيقن بذلك ؟ والأمور كلها بيد اللّه تعالى ، ومن ذلك : سعيه ، وكدحه ، فلم لا يتوكل عليه في ذلك فيجتمع همه ويتيسّر أمره ؟ إذا علم بذلك فالقسم الأوّل قيام بمقتضى الشريعة ، والقسم الثاني وفاء بحق الحقيقة . وأنه لا بدّ لبناء هذا الوجود من أن تنهدم دعائمه وأن تسلب كرائمه . ذكر هذا المعنى تسلية للعبد عمّا يفوته في حال سلوكه من حظوظه وشهواته ؛ لأنه إذا علم أن هذه الأشياء لا بدّ أن تزال عنه ، ولو بعد حين وكلّ ما هو آت قريب ، لم يغتبط بما يكون مآل أمره إلى ذلك ، ويكون طيب النفس بتركه ، وتهديم الدعائم وسلب الكرائم من الاستعارات البديعة . فالعاقل من كان بما هو أبقى أفرح منه بما هو يفنى قد أشرق نوره وظهرت تباشيره . فرح العبد بالأشياء الفانية هو موجب للزيادة في همّه وغمّه إذا فقدها . قال سيدي سهل بن عبد اللّه ، رضي اللّه عنه : « من فرح بغير مفروح به استجلب حزنا لا انقضاء له » . وقد تقدّم هذا المعنى عند قوله : ( ليقلّ ما تفرح به يقلّ ما تحزن عليه ) ، فالعاقل لا يفرح بذلك ، ولا يحبه ، بل يكرهه ويبغضه . وإنما يكون فرحه بالأمور الباقية التي لا تفنى ، قد أشرق نور ذلك في قلبه ، وظهرت تباشيره على وجهه . وإشراق النور ، وظهور التباشير نتائج تحققه في مقام الزهد . فصدف عن هذا الدار مغضيا « 3 » وأعرض عنها موليا فلم يتخذها وطنا ولا جعلها
--> ( 1 ) القند : عصارة قصب السكر إذا جمد . ( 2 ) جثا : جلس على ركبتيه . ( 3 ) المغضة : المذلة والمنقصة .